جعفر شرف الدين

120

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )

آثارهم . وإنما عبّر سبحانه عن الحزن بالبكاء ، لأن البكاء يصدر عن الحزن ، في أكثر الأحوال . ومن عادة العرب أن يصفوا الدّار إذا ظعن عنها سكّانها ، وفارقها قطّانها بأنها باكية عليهم ، ومتوجعة لهم ، على طريق المجاز والاتساع ، بمعنى ظهور علامات الخشوع والوحشة عليها ، وانقطاع أسباب النعمة والأنسة عنها . ووجه آخر هو أن يكون المعنى : لو كانت السماوات والأرض من الجنس الذي يصح منه البكاء لم تبكيا عليهم ، ولم تتوجّعا لهم ، إذ كان اللّه سبحانه عليهم ساخطا ، ولهم ماقتا . ووجه آخر : قيل معنى ذلك : ما بكى عليهم من السماوات والأرض ، ما يبكي على المؤمن عند وفاته ، من مواضع صلواته ، ومصاعد أعماله ، على ما ورد الخبر به « 1 » . وفي ذلك وجهان آخران يخرج بهما الكلام عن طريق الاستعارة ، فأحدهما أن يكون المعنى : فما بكى عليهم أهل السماء والأرض ، ونظائر ذلك في القرآن كثيرة . والآخر أن يكون المعنى أنه لم ينتصر أحد لهم ، ولم يطلب طالب بثأرهم . ومضى في أشعار العرب : بكينا فلانا بأطراف الرماح ، وبمضارب الصفاح . أي طلبنا دمه ، وأدركنا ثأره .

--> ( 1 ) . روى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه ( ص ) : « ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان : باب ينزل منه رزقه ، وباب يدخل منه كلامه وعمله ، فإذا مات فقداه ، فبكيا عليه . ثم تلا قوله تعالى : فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ . انظر « الجامع لأحكام القرآن » ج 16 ص 140 وقال علي وابن عباس رضي اللّه عنهما : إنه يبكي مصلاه من الأرض ، ومصعد عمله من السماء . ( المصدر نفسه ) .